Open
يمكن للمخرج أيضا أن يتدخّل مستعملا وسائل أخرى غير النص ويكون هدفه هو أن يستعمل كلا منها لتبعيد الآخر. ستتنافر الحركة مع النص، ممّا سيؤدّي إلى جعل المشاهد ينتبه إلى هذا أو ذاك، أو هذه وتلك، وهذا ما يحصل بالنسبة لإدخال الموسيقا والسينما والأقنعة والديكورات نفسها إلى المسرح

Copy of ضرورة مسرح الحقيقة، ضرورة بريشت.. مميز

منذ أن كتب "تزفيتان تودوروف" عن "برتولد بريشت" في كتابه "نقد النقد"، وكتب "رولان بارت" في كتابه "بارت بقلمه" أنّه في كل أعماله حاول جاهدا أن يصل إلى ما وصل إليه "بريشت"، صار المسرحي والشاعر الألماني صاحب نظرية المسرح الملحمي، حديث النقد والنقاد في الغرب. لا يتعارض الفن مع الطبيعة، ولا الأدب مع الخطاب اليومي، فكل طرف يتحوّل إلى الآخر. وتجد الكتابة ذاتها مندرجة في شبكة من العلاقات بين الخطابات، وينبغي فهم اللغة في تعدّديتها. وبهذا الصدد تتطابق نقطة وصول الحركة الشكلانية مع نقطة انطلاق "بريشت". لماذا هذه العودة الآن إلى "بريشت" ومسرحه الملحمي، خاصة في أوروبا الغربية؟

يبدو أنّ الجواب متضمّن في جملة "تودوروف" السابقة. إذ إن مركز اهتمام "بريشت" في النهاية يقوم في نفس المركز الإهتمامي للشكلانية عموما، ألا وهو تعدّد مستويات اللغة، ونفي "الفردية"، وإبعاد الإنسان وتغريبه أو تشييئه. ينبغي الانطلاق هنا من أحد جوانب المذهب "البريشتي"، وهو نقده "للتماهي". والتماهي حسب تودوروف هو: معرفة للآخر عن طريق الحدس والاستبطان. فبريشت يأخذ على المسرح القديم غير الملحمي، "الأرسطي"، إنّ المشاهد فيه مدعو للتماهي مع الشخصية المسرحية، وما يساعد على هذا التماهي هو التماهي المسبق الذي يحصل من قبل الممثّل مع الشخصية ذاتها. والنتيجة: يمتزج الثلاثة في واحد. ويؤكد "بريشت" إنّ الفكر الكلاسيكي المسرحي لا يتصوّر شكلا آخر للتلقّي من جانب المتفرج، وهذا ما يفسّر لماذا بقيت نظرية التطهير" الكاثارسيس" سارية المفعول لأمد طويل. وللوصول إلى هذه النتيجة، يجري سعي كبير لإبقاء المتفرج في "وهم" إنّ ما يشاهده هو جزء من الحياة، وليس عرضا مسرحيا. ومن هنا سخرية "بريشت" من توصيات "ستانسلافسكي" بخصوص الآثار العديدة للتوهيم: بدون الاستعانة بفن الممثّل المسرحي تكفي جرعة مناسبة من الكحول لجعل كل الناس تقريبا ترى أينما كان، إن لم يكن جرذانا، فعلى الأقل فئرانا بيضاء. وثاني جماليات المسرح الملحمي الجديدة من هذا النقد إذ ينبغي على المشاهد أن يبقى واعيا متحكّما بملكته النقدية وأن لا يستسلم لإغراء التماهي. وإن واجب الكاتب المسرحي، والمخرج أيضا، مساعدة هذا المشاهد في جهوده تلك. ففيما يتعلق بالمؤلّف: عليه أن يمارس شكلا من تقديم العالم يقوم، بدلا من نقل الأشياء كما اعتدنا إدراكها، على جعلها بالعكس، غريبة غير أليفة، وعلى جعلنا نشعر "بالإغتراب. ويستند "بريشت" أولا إلى هذا الاصطلاح مستعملا كلمة "ابتعاد"، وإنّما أيضا "استلاب"، لكنّه وتحت تأثير الشكلانيين الروس، وبشكل خاص تأثير الناقد الشهير "شكلوفسكي"، يغيّر الكلمة ليجعلها ترجمة دقيقة للكلمة الروسية التي تعني: التبعيد. والآن، ما هو مفهوم "التبعيد" أو ما اعتدنا أن نسمّيه "التغريب"؟ وما هي الوسائل التي تؤدي إلى التبعيد؟ قبل كل شيء يعتقد" بريشت" أنّ هذا المنهج مشترك بين جميع الفنون، فيقول إنّ "سيزان" يعمل "تبعيدا" عندما يبالغ في التشديد على الشكل الفارغ لإناء. وبصدد المسرح يقول "يكمن مفعول التبعيد في تحويل الشيء الذي يراد إفهامه ولفت الانتباه إليه، من شيء عادي معروف، مباشر، إلى شيء خاص غير مألوف، غير متوقع. وبفضل مفعول "التبعيد" أو التغريب، لا يعود المشاهد يتماهى مع الشخصية. وتظهر "ذاتان"، حيث لم تكن هناك إلاّ ذات واحدة. إنّ النتاج اللغوي يحتوي على مستويات ومظاهر متعدّدة، إلاّ إنّ العرف الأدبي لكل عصر يجعلنا نربط بين هذه المستويات والمظاهر بشكل ثابت ومستقر. ويؤدي كسر هذه الترابطات، والاحتفاظ ببعض عناصر التعابير الجاهزة، وتبديل عناصر أخرى فيها، إلى كسر الآلية في التلقي، وبالتالي، الاقتراب من التبعيد، وذلك عبر الوسائل التالية: 1 إذا ذكر موضوع مستبدل بواسطة أشكال لغوية متكلفة. 2إذا عولج موضوع راق بلغة محكية بدلا من لغة قياسية منقحة. 3 الإنتقال من الماضي إلى الحاضر، وبالعكس. 4 الإنتقال من صيغة المتكلم إلى صيغة الغائب. وإلى جانب هذه التداخلات المتصلة ببنية النص ذاتها، يمكن أيضا العمل على إظهار ما وراء النص، ثم القيام بإتاحة قراءة إشارات المؤلف المسرحية الموجهة مبدئيا إلى الممثّل وليس إلى المشاهد، وفي هذه الحالة يجري إسماع صوتين متزامنين، كل واحد منهما منزاح بالنسبة إلى الآخر. ويوجد في المسرح، إلى جانب هذه الوسائل النصية لإنتاج مفعول التبعيد، وسائل أخرى تتعلّق بالإخراج. فلأن المؤلف قد تماهى مسبقا مع الشخصية، يقوم المشاهد بذلك التماهي بدوره. ولهدم التماهي الثاني، تجري مجابهة المؤلف إذن، ويصار إلى إقامة تعدّد الذوات مكان الذات الواحدة. "لا يحدث مفعول التبعيد إذا ما قام الممثل الذي يجعل لنفسه وجها غريبا لمحو وجهه الحقيقي تماما، فما ينبغي القيام به هو أنّ يظهر "تراكب الوجهين". من جهة أخرى، يبيّن الممثّل عدم التطابق بينه وبين الشخصية، ويقوم بإسماع صوتين في آن معا، وهذا ما يمنع بدوره المشاهد من التماهي مع هذه الشخصية. وعلى الممثّل أن يبقى استعراضيا، أي عليه أن يجعل الشخصية التي يعرفها كشخص غريب، وأن لا يخفي في تمثيله كل أثرٍ لـــ "فعل هو ذلك، يقول هو ذلك".. عليه أن لا يصل إلى حد التقمص الكامل للشخصية التي يعرضها، فهو لا ينسى أبدا ولا يترك مجالا للنسيان أبدا بأنّه ليس الشخصية المعروضة، ولكن المستعرضة. بإمكان الممثّل بالإضافة إلى تغيير علاقته بالشخصية، أن يرتبط بطريقة مختلفة مع المتفرج، وبإمكانه أيضا أن يغيّر علاقته بنفسه، وأن يظهر ذاته وهو يراقبها. ونتيجة لهذه الطرائق جميعا، فان الممثّل بدلا من "تمثيل" أو "تشخيص" أقوال الشخصيات، فإنّه سيتلوها. يقول "بريشت": "إذا ما تخلّى الممثّل عن التقمّص الكامل فإنّه لا يقول نصّه وكأنّه ارتجال، وإنّما كأنّه استشهاد أو اقتباس". يعلّق "تودوروف": ولكن ما هو الاستشهاد إن لم يكن قولا لمتكلمين، ووصفا يجري فيه نقل صوتين عبر كلام واحد؟ يمكن للمخرج أيضا أن يتدخّل مستعملا وسائل أخرى غير النص ويكون هدفه هو أن يستعمل كلا منها لتبعيد الآخر. ستتنافر الحركة مع النص، ممّا سيؤدّي إلى جعل المشاهد ينتبه إلى هذا أو ذاك، أو هذه وتلك، وهذا ما يحصل بالنسبة لإدخال الموسيقا والسينما والأقنعة والديكورات نفسها إلى المسرح. إنّ الجواب الذي يعطيه بريشت غالبا عن السؤال حول ضرورة المسرح الملحمي هو عبر طرحه لهذه المسلمة: إنّ كل فهم وكل معرفة تتطلب فصلا بين الذات والموضوع، أي: تتطلب "تبعيدا". وبالتالي فان المسرح الملحمي ليس فقط الشكل المناسب تاريخيا، ولكنّه أفضل وسيلة لبلوغ الحقيقة. أليس اعتبار أنّ شيئا ما يفهم وحده، هو بكل بساطة تخليا عن الفهم؟ ولكن هل المعرفة هي غاية الفن القصوى؟ يؤكد "بريشت" هنا أنّنا نعيش في عصر علمي، حيث تلتقي طريق الفن بطريق العلم. "لكي يصبح بإمكان جميع هذه الأشياء المعطاة أن تبدو للإنسان كأشياء مشكوك فيها، عليه أن ينمّي هذه النظرية الغريبة التي راقب بها "غاليليو" مشكاة كانت تتأرجح أمامه. يعتبر "برتولد بريشت"، الشاعر والمخرج والممثل، من أهم كتاب المسرح في القرن العشرين. ويقوم مذهبه على فكرة إن المشاهد هو العنصر الأهم في تكوين العمل المسرحي، فمن أجله تكتب المسرحية، حتى تثير لديه التأمل والتفكير في الواقع، واتخاذ موقف ورأي من القضية المتناولة في العمل المسرحي. ومن أهم أساليبه في كتابة المسرحية، أولا "هدم الجدار الرابع" ويقصد به جعل المشاهد مشاركا في العمل المسرحي، واعتباره العنصر الأهم في كتابة المسرحية، وثانيا "التغريب" أو التبعيد كما ذكرناه آنفا، ويقصد به تغريب الأحداث اليومية العادية، أي جعلها غريبة ومثيرة للدهشة، وباعثة على التأمل والتفكير. وثالثا "المزج بين الوعظ والتسلية"، أو بين التحريض السياسي وبين السخرية الكوميدية. وقد يضاف إلى ذلك استعمال "بريشت" لتقنيات أخرى من مثل استخدام مشاهد متفرقة، تقع أحداثها في أزمنة مختلفة، ولا يربط بينها غير الخيط العام للمسرحية. كذلك فإن "بريشت" كثيرا ما كان يستخدم الأغاني بين المشاهد، وذلك كنوع من المزج بين التحريض والتسلية، علما إن الأشعار تلك كانت له، فهو إلى ذلك شاعر مُـجيد ومعروف في لغته وثقافتها. كتب بريشت أولى أعماله المسرحية وهي "بعل" Baal وكان متأثرا فيها بالتعبيرية. أما في مسرحية "أوبرا القروش الثلاثة" والتي حققت له نجاحا عالميا منقطع النظير، فقد كانت تتحدث بطريقة عفوية عن مبدأ "في البداية الطعام، ثم الأخلاق". وبعد استيلاء هتلر على الحكم، وإحراقه كتب الأدباء الذين لا ينتهجون نهجا نازيا، هرب من ألمانيا إلى الدانمارك، وعاش فيها في الفترة بين عامي 1933 و1939. ثم هرب إلى أمريكا حيث اجتاحت القوات النازية الدانمارك. وكتب في أمريكا أهم أعماله، منها نظريته عن المسرح الملحمي، التي نشرها عام 1948، بعنوان "الأورغانون الصغير للمسرح".

قيم الموضوع
(0 أصوات)

معلومات إضافية

  • StyleName: ClassA
0

Support

Follow Us

© مدونات طيبة. جميع الحقوق محفوظة. تصميم XPRSpro.