Open
لقد فضح رفيقنا أبو سلام من على صحيفة الاتحاد قضيّة التّجارة بالتّصاريح حيث كان صداها كبيرًا وبعثوا للرّفيق إخطار حضورٍ للتّحقيق، سائلينه عن صحّة خبره وأن يعطيهم أسماء التّجار الذين يبيعون التّأشيرات، الأمر الذي رفضه أبو سلام "أنا بشتغليش عندكو" محاولين شراءه تارة تودُّدًا وأخرى توعُّدًا لكنّه بقي كالطّود صامدًا ثابتًا لا يهون، مراسِلاً لصحيفة الاتحاد ناقِلاً هموم الشّعب وموزّعًا لها في بلدته وفي القرى البيضاء (بير السِّكِّة وجتّ ويمّة وإبثان والمرجة) مع باقي رفاق المنطقة، حيث نجحوا في بناء خلايا وفروع في هذه القرى لتصبح قرىً حمراءَ، فيها حزب شيوعي وشبيبة شيوعيّة.

كلّ الطَّيِّبات لله إلا طيِّبة بني صعب مميز

الشّيوعي هو ملح الأرض وخميرتها. ورفيقنا محمّد مصطفى علي أبو إصبع، دامت لنا صحّته وعافيّته وعطاؤه وتفانيه، هو هو ملح الأرض وخميرتها.
لقد قال الشّيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس في أدعيته، مؤسِّس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين والذي يُعتبر موضوعيًّا وتاريخيًّا من أكثر زعماء القوميّة العربيّة في الجزائر بعد الأمير عبد القادر، حيث كان عدوًّا للاستعمار ومنفتِحًا على العصر، في يوميَّات أحمد بن بِلا ص 102: "اللهمَّ اجعلنا في الدّنيا من أهل اليسار وفي الآخرة من أهل اليمين" لأنّ "الشّيوعيّة خميرة الأرض".*

نعرفُ أنّ لفلسطين أربعَ طيِّبات ولكلّ قضاء طيِّبتُهُ: طيِّبة رام الله، طيِّبة جنين، طيِّبة بيسان، وطيِّبة طولكرم التي تُطيِّب منطقة المثلّث بطيبة أهلها من بني صعب.وطَيِّبة بني صعب تعود بأصلها إلى صعب بن عليّ بن بكر بن وائل من بني عدنان(شجرة رقم سبع وعشرين، كتاب أنساب العرب وتاريخهم، تأليف ناجي حبيب مخّول، ص 50).

والبلدة الطَّيِّبة هي البلدة الآمنة وكثيرة الخير، والكلمة الطَّيِّبة هي الكلمة التي لا يكُون فيها مكروه. وذو الطَّيِّبة هو الحلال. وعندما نفتِّش عن الشّيء نعود إلى مصدره وحين نفتّش من مصدر كلمة الطَّيِّبة نعود إلى المُنجد في اللغة والأعلام.

عندما ذهب وفد من القرية لتهنئة الملك عبد الله الأوّل (الجد) لاعتلائه الكرسيّ الملكيّ قال لهم: "كلّ الطَّيِّبات لله إلا طيِّبة بني صعب" ورفض استقبال المُهنِّئين من طّيِّبة بني صعب، لحقده الدّفين على الشّخصيّة الوطنيّة البارزة، السَّيِّد عارف عبد الرّازق المؤيِّدة لمُفتي الدّيار المُقدَّسة آنذاك الحاج أمين الحسيني.

وطيِّبتُنا التي نتحدَّث عنها هي الطَّيِّبة، قضاء طولكرم، وتقع على بُعد خمس كيلومترات جنوب مدينة طولكرم، حيثُ ضُمَّت بحسب اتّفاقية رودس، في الثّالث من نيسان عام ألفٍ وتسعِمائة وتسعةٍ وأربعين، الموقّعة بين الأردن وإسرائيل، والتي تنصّ على ضمّ منطقة المثلّث إلى حدود دولة إسرائيل مقابل التّوقيع على هدنة دائمة بينهما.

فقد قامت مظاهرات الأُلوف في طولكرم ضدّ توقيع الاتفاقيّة ومُحذّرة من مغبّة الإقدام على التّوقيع، في أواخر عام النّكبة، حيث شعر الشّعب بالمؤامرة، وقد كتب الرّفيق عبد الحميد أبو عيطة في جذور من الشّجرة دائمة الخضرة، د. أحمد سعد ص 84، حيث كان يعمل، هناك، موظَّفًا في بنك الأمّة العربيّة: "أذكر أنّ الجيش العراقي هاجم المظاهرة بالعصيِّ والغاز، وأنا أحد الذين ضُرِبوا في هذه المظاهرة".

أبو سلام، حضور خاص

اخترت في هذه الحلقة أن أحدِّثكم عن رفيقٍ من رفاق الطَّيِّبة، له حضوره الخاصّ ونكهته الفريدة وطَبْعُه الطَّيِّب وتواضعه الخجول حيث كان يلفت انتباهي في كلّ مناسبة حزبيّة، وعندما سألت عن اسمه قالوا لي إنّه محمّد أبو إصبع، وهذا اسمٌ ردّده والدي، أبو خالد، كثيرًا عندما كان وما زال يفتح ملفّ ذكرياته عن الأيّام الخوالي التي تزيده انشراحًا وفخرًا بهذا الانتماء.

وُلِد الرّفيق محمّد مصطفى علي أبو إصبع (أبو سلام) في الخامس والعشرين من شهر آب عام ألفٍ وتسعِمائة واثنين وثلاثين في قرية الطّيبة. "والتحقتُ بالمدرسة الأميريّة حيث كان مديرها الأستاذ يوسف الحافظ، ابن الطَّيِّبة. وأذكر أنّي نِلْتُ منحةً دراسيَّةً مع خمسة من أترابي بعد إنهائي المدرسة في البلدة لتكملة دراستنا في مدينة طولكرم، لكنّ الوضع الأمني حال دون إتمامنا دراستنا".

لقد اعتاش مع والديه وإخوته الثّمانية على الزّراعة، حيث كانوا يعتمدون على مياه الآبار للرَّي، وصنع الحُصُر من القشّ والأعشاب الجافّة إذ كانوا يبيعونها في قريتهم والقُرى المجاوِرة متنقِّلين بين قرية وأخرى على الجِمال وقد كانت هذه الحُصُر سلعةً مطلوبة جدًّا خاصّة في موسم قطف الزّيتون.

تعرّف الرّفيق محمّد أبو إصبع على ثُوَّار منطقته منذ نعومة أظفاره، حيث يروي كيف شاهدهم ينصبون الكمين، بين أشجار التّين والزّيتون، للجنود البريطانيّين ويكبّدونهم الخسائر المؤلِمة والكبيرة دون أن يستطيع المحتلّون معرفة اتِّجاه المصدر حيث فرّوا هاربين إلى أوكارهم بعد أن لملموا خسائرهم بينما وجد الثّوّار مخابئهم في أفئدة وطنهم، في الآبار الجافّة والأحراش، بين الكهوف والأشجار وفي بيوت أهل البلدة في المنطقة، خربة فرديسيا، وحين عاد الجنود للتّفتيش عن الثّوّار حضروا إلى بيت المختار، الشّيخ خليل دسوقي، حيث رفض التّعامل معهم، وهدّدوه بتدمير القرية إذا لم يتعاون ويستجيب لطلبهم، "ورأينا من على سطوح المنازل همجيّة وحقد المُحتل الانجليزي وشعوره بهزيمته. لقد فقدوا أعصابهم وقاموا بإطلاق النّار على عجوز يمتطي حمارًا يجرُّه ابنه، لم يمُت لكنّه عاش بقيّة حياته معاقًا مشلولاً في نصفه الأيمن.

كان عُمرُ أبي سلام، سبعة عشر عامًا حين تعرّف على الشّيوعيّين حيث اشترك لأوّل مرّة في اجتماع للحيّ الذي يسكنه، والذي عُقِد في بيت الرّفيق محمود الفحل، وذلك في أوائل خمسينيّات القرن الماضي، بعد أن دعاه للاجتماع عضو الحزب الرّفيق صالح القفيني. لقد كانت نواة الحركة الشّيوعيّة في البلدة تتألّف من الرّفيقين عثمان أبو راس وعبد الحميد أبو عيطة، حيث عملت في ظروف سريَّة قاسية من ملاحقات بوليسيّة ومخابراتيّة للرّفاق فقد قاموا بمنع توزيع صحيفة الاتحاد، صحيفة الحزب، ومنعوا عقد اجتماعات حزبيّة، لذلك كانت تُعقد في أقبية تربية المواشي والدّواجن وفي المطابخ وتحت أشجار الزيتون، في الوعر، بعيدًا عن عيون العملاء وليلاً تحت جنح الظّلام ليشحنوا النّور ليومهم الآتي، لقد نشطوا وعملوا بشجاعة وإباء ودون وجل تحت التّهديد بالسّجن والنّفي والفصل من العمل والحرمان وحتى الطّرد إلى ما وراء الحدود، لقد شمل هذا التّهديد عائلات الرّفاق أيضًا، أي أنّ كلّ من يمشي في هذا الطّريق يضعونه وعائلته وأقرباءه تحت المجهر الرّهيب..

كذلك كانت تراقبهم عيون السّلطة من أهل البلدة، وقد كتبت صحيفة الاتحاد، آنذاك، عنهم وبعنوان كبير "أعوان الملك عبد الله بالأمس هم أعوان بن غوريون اليوم" (جذور من الشّجرة دائمة الخضرة، د. أحمد سعد ص 86 ).

لقد فضح رفيقنا أبو سلام من على صحيفة الاتحاد قضيّة التّجارة بالتّصاريح حيث كان صداها كبيرًا وبعثوا للرّفيق إخطار حضورٍ للتّحقيق، سائلينه عن صحّة خبره وأن يعطيهم أسماء التّجار الذين يبيعون التّأشيرات، الأمر الذي رفضه أبو سلام "أنا بشتغليش عندكو" محاولين شراءه تارة تودُّدًا وأخرى توعُّدًا لكنّه بقي كالطّود صامدًا ثابتًا لا يهون، مراسِلاً لصحيفة الاتحاد ناقِلاً هموم الشّعب وموزّعًا لها في بلدته وفي القرى البيضاء (بير السِّكِّة وجتّ ويمّة وإبثان والمرجة) مع باقي رفاق المنطقة، حيث نجحوا في بناء خلايا وفروع في هذه القرى لتصبح قرىً حمراءَ، فيها حزب شيوعي وشبيبة شيوعيّة.

المنفيّون الحقيقيون !

نُفِيَ الرّفيق أبو سلام، أوّل مرّة، في منتصف الخمسينيّات من القرن الماضي، مع ثُلّة من الرّفاق الأبطال الميامين: شاكر عازم، عبد الرّحيم عازم، محمّد حسنين وعثمان أبو راس، بعد أن تصدّوا لجو الإرهاب الذي فرضته سلطات الاحتلال، في منطقة المثلّث، تمهيدًا للعدوان الثّلاثيّ على مصر. يقول الرّفيق أبو سلام:"نفونا وقسّمونا إلى فرقتين الفرقة الأولى نفيت إلى قرية كسرى والثّانية إلى قرية يانوح، وطلبوا من أهل البلدتين عدم احترامنا لأنّنا نعارض سياسة الحكومة، حيث كان علينا إثبات وجودنا في مركز شُرطة ترشيحا مرّتين، صباحًا ومساء، وكنّا نسلك الطّرق الوعريّة للمركز حيث نعرّج على بيت الرّفيق ميخائيل بشارة وهناك كان وزوجته يقدّمان لنا الأكل والمشرب. ولم يتركنا الشّباب في هاتين القريتين للحظة حيث كانوا متعطّشين لسماعِ محاضراتنا وأناشيدنا كما ودعوناهم لجمع التّواقيع ضدّ الأرنونا (ضريبة بلديّة) المُجحفة وضدّ التّجنيد الإجباري لأبناء الطّائفة العربيّة الدّرزيّة، الموحّدين، وهربوا مُختفين بعيدًا في أحراش الجليل كي لا يذهبوا إلى الخدمة الإجبارية، لكنّ الشّرطة لاحقتهم وأمسكت بهم وأودعتهم في مركز الشّرطة ومن بعدها إلى ثكنات الجيش، ومن أجل الحقّ والإنصاف أنّ أهلنا في هاتين القريتين قد أحسنوا وفادتنا وشعرنا بينهم أنّنا من أهل بيتهم".

أمّا عمليّة النّفي الثّانية لأبي سلام فقد كانت إلى قرية بيت جن، وذلك في شهر نيسان من العام ألفٍ وتسعِمائةٍ وسبعةٍ وخمسين بعد أن عقد الفرع اجتماعًا للدّفاع عن حقوق الفلاحين في منطقة المثلّث، الأمر الذي استفزّ الحاكم العسكري وقام بنفي الرّفاق "لأنّنا كنّا نُدافع فيه عن حقوق الفلاحين، وأذكر أنّه كان من بين الرّفاق المنفيّين: شاكر عازم ولطفي فارس وعبد الكريم أبو راس وعبد الرّحيم عازم وابراهيم بيادسة ومصطفى اشريِّم عازم ومحمود الحصري (أبو العفو)".

ويتابع أبو سلام قوله: "ووقف مختار الحارة الشّرقيّة في بيت جن، أبو محمود الكنج قبلان، مرحّبًا بنا وساردًا لنا تحريض الشّرطة علينا وأعلن أنّ بيوتهم مفتوحة لنا وسيضعوننا في عيونهم".

وهنا أيضًا وزّعوا الرّفاقَ إلى فرقتين وإلى بيتين بحيث يمنع عنهم منعًا باتًّا النّوم داخل البيوت وعندما سمع المُختار أبو محمود الكنج طلب الشّرطة، رفضه وطالبها بالسّماح له بإيواء جميعهم، لكنّهم في النّهاية سمحوا فقط لأربعة من المنفيّين البقاء في بيت المختار أبي محمود والباقي عند مختار الحارة الغربيّة أبو رفيق نجيب علي أسعد، ويتابع حديثه: "لقد أثبتَ سُكّان بيت جن أنّهم عربٌ أقحاحٌ كباقي أبناء شعبهم، كريمو النّفوس وأنهم أهلٌ للضّيافةِ حيث كانوا يتناوبون لتقديم الغداء والعشاء وكلّ ما نحتاجه خلال النّهار، زد على ذلك زيارات الرّفاق من الجليل ومن النّاصرة حيث كان يأتي رفيقنا محمّد نفّاع (أبو هشام) لزيارتنا مع كلّ وفد. لقد كان علينا إثبات وجودنا في مركز الشّرطة، في ترشيحا، حيث كنّا نسير مشيًا على الأقدام ونذهب إلى قرية البقيعة حيث كان صديقنا الصّدوق شفيق متري يستقبلنا ويُكرِمنا وينقلنا بسيّارته، يوميًّا، إلى شرطة ترشيحا".

عندما دعا السيّد أبو حسين شقيق مختار الحارة الشرقيّة، أبو محمود الكنج، المنفيّين إلى وليمة عشاءٍ، ليُحسن وفادتهم، فذبح ذبيحةً كرامةً للرّفاق "وإذ بالضّابط الألماني الأصل، الملعون ماير يدخل الدّار ليرى الطّاولة مفتوحة وعامرة بالصّحون الكبيرة المليئة باللحم والشّحم والأرزّ، مخيِّرًا إيّانا، إمّا الذّهاب معه إلى مركز الشّرطة في ترشيحا حالاً أو نذهب إلى هناك مشيًا على الأقدام وفضّلنا الخيار الأوّل، يعني طلِعنا في هذيك الليلة بدون عشاء فاخر!" وقد قام المختار لاحقًا باستنكار هذا العمل الدّنيء وبتقديم دعوى، طالبًا فيها من شرطة طبريّا أن تخفِّف من إجراءاتها وأن تكتفي بإثبات وجود يوميّ مرّة واحدةً، وكان له ما طلب..

ويتابع الرّفيق محمد أبو إصبع: "وعندما كُنَّا في مركز الشّرطة كان يُناديني الضّابط هناك الشّيوعي الصّغير. لقد كنتُ أصغر المعتقلين، لكنّ فعلي كان كبيرًا وليس صدفةً أنّني كنتُ منفيًّا، وهذا وسام شرفٍ لي، وكنتُ حينها سكرتيرًا للشّبيبة الشّيوعيّة في بلدتي".

كادح شريف

إنتقل أبو سلام إلى العمل في حيفا، حيث بدأ عمله في سوق الخضار، "الحِسْبَة"، في حيّ وادي النّسناس وهناك "تعرفتُ على الرّفيق إبراهيم تركي سكرتير خلية الشّبيبة وطلبتُ منه الانضمام لشبيبة حيفا لأتعلّم وأستفيد منهم وأنقل تجربتهم إلى الطَّيِّبة" حيث بدأ نشاطه في حيفا وقام بعمله على أجمل وجه، مخلصًا لشعبه وقضاياه العمّاليّة والقوميّة، وكذلك شارك لاعِبًا مدافِعًا فريق كرة القدم لفرقة الشّبيبة في مبارياته.

بعد أن أنهى عمله في سوق الخضار بدأ يعمل في شركة قوت الكادحين حيث تعرّف على الرّفاق عصام العبّاسي وعلي عاشور وعبّاس زين الدّين، وأخذ من غرفة العاملين في المطعم غرفةَ نوم له حيث وضع كلّ حاجيّاته فيها، بعد أن كان ينام في السّوق. ويذكر أنّه حضرَ شُرطيّان، "كبسيّة"، إلى قوت الكادحين يسألان عن تصاريح العمل والإقامة في حيفا وحين رآهما أبو سلام فرّ هاربًا إلى الحمّام وحينها أقام الرّفاق حول الشّرطيّين طوقًا مُحكمَ الإغلاق أعمى بصرهما "ممّا ساعدني على الخروج السّريع من المطعم الأمر الذي لم ينتبها إليه البتّة ونفدْتُ بريشي".

بدأ يوزّع مع الرّفيق داود تركي ما تحتاجه شركة قوت الكادحين من بضائع على عربة يقودانها بأيديهما ويُفرملانها بأرجلهما. "لقد استفدْتُ كثيرًا في حيفا حيث تعلّمتُ إدارة النّشاطات وقيادة الأعمال وكذلك نقلتُ تجربة قوت الكادحين إلى بلدتي".

قبل أن تطأ قدما أبي سلام أرض بلدته على الشّارع العام وإذ بطلقات رصاصٍ تُصوَّب نحوه من سيّارة حرس الحدود طالبين منه الحضور إلى سيّارتهم وقاموا باستجوابه من "طقطق إلى السّلام عليكم". لقد قاموا بتفتيشه حيث وجدوا معه الكثيرَ من "الممنوعات الخطيرة": كُتُب دراسات في الفلسفة الماركسيّة وأخرى عن الشّيوعيّة، "وعندما سألوني عن سبب عدم حيازتي على تصريح، شرحتُ لهم أنّ طلبي قد رُفض ولأنّني ألمُعيل الوحيد لعائلتي، جازفْتُ مُضطرًا تجاوز إصدار التّصريح، حيث أنّي بِكْرُ إخوتي لأبوين عجوزين وعاجزين ووصلتُ إلى هنا مشيًا على الأقدام من بيت ليد حتّى لا تتعرَّضني الشّرطة وبعد هذا السّجال قام الضّابط المسؤول وكان من أبناء الطّائفة المعروفيّة الكريمة وقرّر إطلاق سراحي لعدم وجود أدلّة ضدّي ومن تجربتي مع إخوتي من بني معروف الأشاوس، إن كان المنفى أو السّجن أو هذه الحادثة فإنّي أكنُّ لهم الاحترام والمحبّة والإخلاص، وبعد فينا خير لأبناء شعبنا الواحد".

لقد كان معروفًا أنّ إصدار تصريح للتّنقّل لأيّ شيوعيّ، معروف الانتماء، من سابع المستحيلات. وعندما سافر أبو سلام وثلاثة من رفاقه بالباص، للعمل في تل أبيب توقّفت الحافلة وصعد الشّرطي كنتر، الذي كان يعمل في شرطة الطَّيِّبة، والظّاهر أنّه أوقف الباص بعد أن "إِجَتُو فَسْدِي" وتوجّه إلى الرّفاق طالبًا منهم تصاريحهم حيث اختارهم "من بين خلق الله" وكانوا بدون تصاريح فنقلهم إلى محكمة الصّلح في نتانيا، بعد أن أخذ بطاقات هُويَّاتهم، "أنا قرّرت الهربَ، رغم أنّه جرّدني من هويَّتي فقد كان معي بطاقة مؤتمر العمّال العرب وعليها صورتي وتفاصيلي، إلى الرّملة حيث استقبلني هناك رفيقنا عبد الله زقّوت ودبّر أموري هناك واشتغلتُ ثلاثة أشهرٍ في مزرعة للخيار والعنب".


من"قراقيح" قلبه

من"قراقيح" قلبه
لقد كان وما زال يُحبّ الأناشيد الثّوريّة ويهتمّ بتحفيظها للرّفاق حيث كنتُ أراه في كلّ نشاطاتنا ومؤتمراتنا وحفلاتنا التي شاركتُ بها، ينشد بحماس الفِتوّة وحرارة الشّباب التي لا تُطفأ وأراه أيضًا في كلّ مظاهرة للحزب أو الجبهة، التي شاركتُ بها، أينما ومتى كانت، يسير في المظاهرة مرفوع الهامة ويلوّح بعكّازه، مردّدًا الشّعارات من قحف رأسه و"قراقيح" قلبه، بصوت عالٍ ثابت وشجاعٍ، وإن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على اقتناعه بالطّريق وإيمانه العميق بالعدالة الاجتماعيّة والمساواة والسّلام العادل والثابت.

كانت تُنشَد الأناشيد الثّوريّة قبل عقد أيّ اجتماع للخليّة أو الكادر في القرية، الطَّيِّبة، كما كان حال باقي الفروع والمناطق وهذا ما كان يدبّ الحماس في قلوب الرّفاق والشّباب، ويبعثُ فيهم الأمل بالانتصار ويعزّز عندهم الشّعور بالانتماء القومي العربي، حيث كان الشّباب يحضرون إلى النّادي وقت الاجتماع لسماع الأناشيد الثّوريّة وهذا ما كان يدفعهم إلى الدّخول وحضور النّدوة أو الاجتماع والاستماع إلى البيان السياسي التّثقيفي، وهذه الأناشيد "كانت تُفيدنا في المعتقلات والمنافي والمظاهرات حيث كنّا نشحذ منها الطّاقة والهمم للعمل والصّمود والشّجاعة والعزيمة على النّصر ونُبيِّن للغاصب شهامة الموقف وعزّة نفس الرّفاق، خاصّةً عندما كنَّا ننشدها بأعلى حناجرنا:

السِّجْنُ لَيْسَ لَنَا نَحْنُ الأُبَاة
السِّجْنُ لِلْمُجْرِمِينَ الطُّغَاة
حَيْثُ تُنْصَبُ المَشَانِقُ لِمَن؟
لِلْمُجْرِمِينَ الطُّغَاة
أو نشيد:
ظُلاّم يَا ظُلاّم نِظَامُكُم مَا يَدُوم
هَذِي شُعُوبُ الأَرْضِ هَبَّت عَلَى الظَّلُّوم
كَالعَاصِفِ الصَّخَّاب تَجْتَاحُكُم كَالنَّار
تَقْضِي عَلَى الظُّلْمِ وَالاسْتِعْمَارِ
أو نشيد
يا شُعُوبَ الشَّرْقِ هَذَا وَقْتُ رَدِّ الغَاصِبين
فَارْكَبُوا الهَوْلَ الشِّدَادَ وَاصْطَلُوهَا بَاسِلِين
..
شَتِّتُونَا في المَنَافِي وَامْلأُوا مِنَّا السُّجُون
سَوْفَ تَأْتِيكُم لَيَالٍ بَرْقُهَا حَتْفُ المَنُون
لو تنطق الأرض لتحكي عن تضحيات الشّيوعيّين الجسام لنطقت دمًا ودمعًا.
لو يسرد لنا البدر في السّماء ما رآه في الليالي لسرد قصصًا عن بطولات رفاقنا الذين عملوا دون كلل.

لو تروي لنا حيطان السّجون والمعتقلات عن صمود رفاقنا لتفجّرت غضبًا.
لقد ذاق رفاقنا القُدامى، حُماة ديارِنا وشعبنا مرارة العيش إذ لم يعرفوا السّكينة ولا الهدوء ولا هدأة البال، لقد حملوا دماءهم على أكفِّهم ورهنوا روحهم المقاوِمة من أجل رفاه شعبهم، ووضعوا صلبان العذاب على أكتافهم، حاضرين لكلّ شيء مفاجئ خَطِر، لنصرة قضايا الفلاحين والعمّال. لقد تحدّوا بما يملكون، بأجسادهم وأرواحهم، سياسة القمع والتّجويع والنّفي والسّجن والفصل من العمل والتّهديد بالطّرد من أجل سعادة شعبهم بفلاحيه وعمّاله. إنّ من له كلّ هذا الإرث العظيم عليه ألا يسمح لأحد أن تُسوّل له نفسه ويتطاول على منجزات ومقدّرات وأعمال رفاقنا، إنّها أعمال رُسُل الشّعب الكادح، إنّها مُقدِّسات شعب يُحبُّ الحياة بسلام.

فالشّيوعي هو ملح الأرض وخميرتها. ورفيقنا محمّد مصطفى علي أبو إصبع، دامت لنا صحّته وعافيّته وعطاؤه وتفانيه، هو هو ملح الأرض وخميرتها.

لقد قال الشّيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس في أدعيته، مؤسِّس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين والذي يُعتبر موضوعيًّا وتاريخيًّا من أكثر زعماء القوميّة العربيّة في الجزائر بعد الأمير عبد القادر، حيث كان عدوًّا للاستعمار ومنفتِحًا على العصر، في يوميَّات أحمد بن بِلا ص 102: "اللهمَّ اجعلنا في الدّنيا من أهل اليسار وفي الآخرة من أهل اليمين" لأنّ "الشّيوعيّة خميرة الأرض".

ولنُردِّد معًا مِطَّاوِل عَ الشُّيُوعِيّة خايِ.. مِيِّة بِالمِيِّة.

( حيفــــا )

المصدر: موقع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة

قيم الموضوع
(1 تصويت)

معلومات إضافية

6

6 تعليقات

  • رابط التعليق Eng. Ali Massarwa אינג' עלי מצארווה الثلاثاء, 07 أيلول/سبتمبر 2021 17:39 الناشر Eng. Ali Massarwa אינג' עלי מצארווה

    والبلدة الطَّيِّبة هي البلدة الآمنة وكثيرة الخير، والكلمة الطَّيِّبة هي الكلمة التي لا يكُون فيها مكروه. وذو الطَّيِّبة هو الحلال. وعندما نفتِّش عن الشّيء نعود إلى مصدره وحين نفتّش من مصدر كلمة الطَّيِّبة نعود إلى المُنجد في اللغة والأعلام.

  • رابط التعليق Ahmad السبت, 04 أيلول/سبتمبر 2021 12:16 الناشر Ahmad

    عبد الحميد أبو عيطة في جذور من الشّجرة دائمة الخضرة، د. أحمد سعد ص 84، حيث كان يعمل، هناك، موظَّفًا في بنك الأمّة العربيّة: "أذكر أنّ الجيش العراقي هاجم المظاهرة بالعصيِّ والغاز، وأنا أحد الذين ضُرِبوا في هذه المظاهرةبينهما

  • رابط التعليق test السبت, 04 أيلول/سبتمبر 2021 12:15 الناشر test

    وطيِّبتُنا التي نتحدَّث عنها هي الطَّيِّبة، قضاء طولكرم، وتقع على بُعد خمس كيلومترات جنوب مدينة طولكرم، حيثُ ضُمَّت بحسب اتّفاقية رودس، في الثّالث من نيسان عام ألفٍ وتسعِمائة وتسعةٍ وأربعين، الموقّعة بين الأردن وإسرائيل، والتي تنصّ على ضمّ منطقة المثلّث إلى حدود دولة إسرائيل مقابل التّوقيع على هدنة دائمة بينهما

  • رابط التعليق majdy الإثنين, 30 آب/أغسطس 2021 10:46 الناشر majdy

    لقد قال الشّيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس في أدعيته، مؤسِّس جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين والذي يُعتبر موضوعيًّا وتاريخيًّا من أكثر زعماء القوميّة العربيّة في الجزائر

  • رابط التعليق مصاروة مجدي الإثنين, 30 آب/أغسطس 2021 10:45 الناشر مصاروة مجدي

    ويتابع أبو سلام قوله: "ووقف مختار الحارة الشّرقيّة في بيت جن، أبو محمود الكنج قبلان، مرحّبًا بنا وساردًا لنا تحريض الشّرطة علينا وأعلن أنّ بيوتهم مفتوحة لنا وسيضعوننا في عيونهم".

  • رابط التعليق مصاروة مجدي الإثنين, 30 آب/أغسطس 2021 10:44 الناشر مصاروة مجدي

    ويتابع الرّفيق محمد أبو إصبع: "وعندما كُنَّا في مركز الشّرطة كان يُناديني الضّابط هناك الشّيوعي الصّغير. لقد كنتُ أصغر المعتقلين، لكنّ فعلي كان كبيرًا وليس صدفةً أنّني كنتُ منفيًّا، وهذا وسام شرفٍ لي، وكنتُ حينها سكرتيرًا للشّبيبة الشّيوعيّة في بلدتي".

Support

Follow Us

© مدونات طيبة. جميع الحقوق محفوظة. تصميم XPRSpro.